عادت النظارات الذكية، وهذه المرة تتظاهر بأنها عادية.
تبدو الموجة الجديدة من نظارات الذكاء الاصطناعي أكثر هدوءًا وأناقةً، ويصعب تجاهلها مقارنةً بنظارات جوجل. أليس هذا هو الهدف؟

قبل أكثر من عقد من الزمان، حين كنتُ لا أزال صحفية تقنية ساذجة، شاهدتُ فيديو مشروع جوجل جلاس وكدتُ أبكي من شدة التأثر. بدا المستقبل في ذلك الإعلان غاية في الروعة. كانت التعليمات تظهر أمام عينيك، والصور تُؤخذ بأمر صوتي. بدت الحياة سلسة، مترابطة، وذات ذوق رفيع يجعل ارتداء جهاز كمبيوتر صغير على وجهك يبدو فكرة عميقة لا غريبة.
أتذكر أنني فكرت، نعم، نحن نعيش في المستقبل الآن.
ثم أصبح جوجل جلاس حقيقة واقعة، ووصل إلى المستخدمين الأوائل في عام 2013، وأطلق على المستقبل اسم " الثقوب الزجاجية ". بدأت جوجل في بيع وحدات إكسبلورر المبكرة لمستخدمين مختارين قبل أن يصبح جلاس متاحًا للجمهور في الولايات المتحدة في عام 2014
بعد عقد من الزمان وجائحة عالمية، عادت هذه الفئة إلى الساحة، وبدت بطريقة ما أكثر هدوءاً وأفضل مظهراً.
كيف تعلمت تقنية التعرف على الوجه ارتداء ملابس أقل رسمية
ما يزعجني هو أن هذا الجيل يشعر بأنه مختلف.
ظهرت نظارات جوجل الذكية فجأةً كأداةٍ من عرضٍ تقديميٍّ ضخمٍ أفلتت من قبضتهم. أما الآن، فالعرض الجديد أكثر سلاسةً. وقد سبق لشركة ميتا أن قامت ببعض عمليات الترويج الاجتماعيّ من خلال نظارات راي بان ميتا ، التي تبدو قريبةً جدًّا من النظارات الشمسية العادية لدرجةٍ تجعل من السهل عدم ملاحظة التقنية. وذكرت شركة إيسيلور لوكسوتيكا أن نظارات راي بان ميتا باعت مليوني وحدة بحلول أوائل عام 2025، قبل أن تُعلن لاحقًا عن زخمٍ أقوى بكثير في مبيعات النظارات الذكية.

تسلك جوجل وسامسونج الآن مسارًا مشابهًا مع نظارات أندرويد XR ، بمشاركة واربي باركر وجينتل مونستر . هذا يُغيّر الأجواء. فالأمر لا يتعلق بشركة تقنية تطلب من الناس ارتداء نموذج أولي في الأماكن العامة والتصرف بشكل طبيعي، بل بتقنية مُخبأة داخل علامات تجارية يربطها الناس بالفعل بالذوق والهوية، وبفكرة "هذه النظارات تجعل وجهي يبدو أقل إرهاقًا".
تُقدّم جوجل في أحدث عروضها نظارات Gemini الذكية ، حيث تُدمج فيها وظائف مثل توجيهات الهاتف، والرسائل النصية، والصور، وغيرها من المهام المرتبطة بالهاتف. وتُشير جوجل إلى أن هذه النظارات الذكية تتضمن إطارات من Gentle Monster وWarby Parker. كما تُركّز سامسونج وجوجل على تصميم هذه الفئة من النظارات، مُركّزتين على الأناقة والذكاء الاصطناعي بدلاً من التركيز على المظهر التقني فحسب.

تم تحسين عرض المبيعات بشكل رائع. إنها نظارات عادية، على ما يبدو. لكنها تحتوي على كاميرات وميكروفونات ومكبرات صوت ومساعد ذكي يعمل بالذكاء الاصطناعي.
لم يختفِ الغرابة، بل تحسّنت جودة الصورة فقط.
لماذا ما زلت أرغب في أن أدير عيني؟
مع كل ذلك، لا يزال رد فعلي الأول هو: توقفوا عن محاولة جعل النظارات الذكية حقيقة واقعة.
بعض الأفكار التقنية تبدو وكأنها إعادة إحياء متكررة وليست ابتكاراً. هذه إحداها. فهي تعود مراراً وتكراراً بتصميم صناعي أنيق، ومساعد أفضل، وغلاف أكثر عصرية، ولكن مع نفس السؤال الاجتماعي الأساسي الكامن وراءها: ماذا يحدث عندما يصبح وجه شخص ما جهاز تسجيل؟
لا يزول هذا الشعور بعدم الارتياح لمجرد أن الإطارات تبدو باهظة الثمن. بل على العكس، يزيد هذا التمويه من صعوبة الأمر برمته. فكاميرا الهاتف تُعلن عن نفسها بوضوح لأن أحدهم مُضطر لإخراج هاتفه وتوجيهه، مُسبباً الإزعاج بالطريقة التقليدية. أما النظارات فهي أكثر هدوءاً، إذ تُطمس الحدود بين النظر والتسجيل وطلب المساعدة وتحويل كل من حولك إلى مجرد بيانات في الخلفية.
تُوضّح النسخ الخالية من الكاميرا المشكلة بشكلٍ أكبر. فهي أفضل من حيث الخصوصية، بلا شك، ولكن بدون العدسة ، يبدو الأمر برمته أشبه بسماعات أذن طموحة تعلمت كيفية حمل عدسات طبية. لا يزال بإمكانك الاستماع إلى الصوت، والوصول إلى المساعد الصوتي، وربما تلقي الإشعارات أو الترجمة، لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع رؤية ما تراه أنت.

لعلّ هذا التوازن هو السبب وراء استمرار هذه الفئة في الدوران حول نفس النقطة الحرجة. فالنسخة الأكثر فائدة هي أيضاً تلك التي تجعل الناس يلتفتون إليك مرتين. أما النسخة الأكثر أماناً فهي أسهل قبولاً، ولكن أسهل تجاهلاً أيضاً. وفي مكان ما بين هاتين النسختين، يكمن المنتج الذي تحاول شركات التكنولوجيا إقناعنا بأننا كنا نريده بالفعل.
هذا يترك هذه الفئة عالقة بصفقة صغيرة قبيحة. الكاميرا هي السبب الأقوى لوجود المنتج، لكنها في الوقت نفسه تجعله ملعونًا اجتماعيًا.
هنا يكمن الجانب الذي لا يزال فيه هذا المجال غير مكتمل. تستطيع شركات التكنولوجيا تصميم الأجهزة، وتطوير المساعد الصوتي، والتعاون مع ماركات النظارات المناسبة. لكن ما لا يمكنها ابتكاره فورًا هو قواعد السلوك المتعلقة بارتداء جهاز تسجيل صغير في مطعم، أو فصل دراسي، أو مكتب، أو غرفة معيشة. أصبحت الهواتف في نهاية المطاف أمرًا طبيعيًا في الأماكن العامة، ولكن بعد سنوات من سوء استخدامها من قبل الجميع.
لماذا قد أكون مخطئًا مرة أخرى
المشكلة هي أنني كنت مخطئاً تماماً من قبل.
عندما بدأ كوفيد-19 يهيمن على الأخبار، أتذكر أنني ظننتُ أنه مجرد خبر آخر يُضخّم أكثر من اللازم. لا أعتبر هذا دليلاً على حسن تقديري للأمور. بعد عامين، بالكاد غادرتُ المنزل واكتسبتُ 14 كيلوغرامًا. القول بأنني كنتُ مخطئًا هو أقل ما يُمكن قوله.
النظارات الذكية ليست وباءً. من فضلكم، دعونا لا نسيء إلى الأوبئة أو النظارات. أما ملاحظتي فهي أبسط وأكثر إزعاجًا: مجرد تقليب العينين لا يُعد تحليلًا بحد ذاته.
ربما لم تكن النظارات الذكية بحاجة إلى ميزة مثالية واحدة. ربما كانت بحاجة إلى توقيت أفضل، وذكاء اصطناعي متطور، وعمر بطارية أطول، وتصميم أنيق يضفي عليها طابعًا أقل جرأة. كانت الهواتف تُعتبر في السابق تصرفًا غير لائق في الأماكن العامة. ثم اقتنى الجميع هواتفهم، وجاءت قواعد السلوك متأخرة، متذمرة وغير مكتملة، كما هو حال معظم قواعد السلوك.
ما زلتُ لا أُحبّذ الفكرة. لا أريد أن يتحوّل كلّ مقهى، أو رحلة عمل، أو عشاء عائلي، أو حتى ركوب مصعد مُحرج، إلى جزء من جلسة ذكاء اصطناعي مُحيطية لشخص آخر. لكن يُمكنني أن أرى كيف أنّ هذه النسخة تتفوّق على سابقتها. فهي أكثر هدوءًا، وأقلّ يأسًا، وأقلّ إظهارًا للرضا عن نفسها.
ربما هكذا تنجح هذه الأشياء فعلاً. ليس من الضروري أن تبدو مستقبلية. يكفي أن تبدو عادية بما يكفي لكي يتوقف الناس عن طرح الأسئلة. أجل، أريد واحدة.